الأخلاق الطبية في الإسلام

بقلم // الدكتور عادل عامر

للإنسان حقوق وحاجات وضرورات الحیاة والمعيشة وهذه الحاجات تكاد ان تكون متساویة لجمیع البشر ولكن توجد بعض الفوارق في حاجات البشر ویجب ان نعلم بأّنا لانسان محدد فى حیاتھ بالمكان والزمان ومقدرة الدماغ ولله تعالى وحده القادرعلى كل شئ .

 ولكل أنسان شعور وأحاسيس وحاجات عامة تختلف من شخص لأخر وهذه الحاجات موروثة فى كیان الفرد ویعتمد علیھا بناء حیاة الانسان.

لا شك أن جميع الأمم والأديان قد اهتمت بالاخلاق اهتماما بالغا منذ فجر الحضارات الأولى. وكان للطب وأخلاقيات المهنة نصيب وافر لدى الحضارة السومرية والبابلية والآشورية واشتهر قانون حامورابي وكان موضوع ضمان الطبيب والعقوبات عليه تشكل : المواد من 218 الى 222 ، وظهر في الحضارة المصرية القديمة تعليمات الطبيب امحوتب( إله الطب) ،  وذلك منذ 4800 سنة من عصرنا الحالي .

      واشتهرت اليونان بالطب منذ عهد اسقليبوس الطبيب الذي جعلوه أيضا  إلها للطب ثم ظهر أبقراط ( القرن الخامس قبل الميلاد ) ، وتحول الطب على يديه الى علم يدرس ، وهو صاحب القسم المعروف بقسم أبقراط (Hippocrates) ، وقد استمر هذا القسم منذ ذلك العهد واستخدمه المسلمون بعد تعديله  .

وكان لابد لمن يريد ممارسة الطب أن يقسم هذا القسم عند تخرجه من كلية الطب . ثم بدأت بعض الجامعات وكليات الطب في التخلي عن هذا القسم في الثلث الأخير من القرن العشرين . ولا توجد عدالة في النظام العالمي الجديد حيث يذكر ان دخل أغنى 100 شخص أكثر من دخل 3 ألاف مليون من البشر، أغلبهم في العالم الثالث . وقصة افريقيا وامراضها المرعبة وخاصة الايدز والايبولا دليل على انعدام العدالة في توزيع الثروات والخدمات الصحية في عالم اليوم . وهو ما ينذر بكوارث متتابعة لن ينجوا منها أحد الا إذا غيرنا هذا النظام العالمي الى نظام أكثر عدالة وإنسانية .

    و مع التطور الطبي التكنلوجي الهائل ظهرت مواضيع جديدة في تقنية الانجاب مثل مشاريع أطفال الانابيب واختيار جنس الجنين والفحص قبل الانغراز PGD والتدخل في الامراض الوراثية الجينية ، وآخرها زرع ميتكوندريا من امرأة متبرعة في بويضة امرأة اخرى تحمل في طياتها مرضا وراثيا عبر الميتوكوندريا .  وبذلك يكون للجنين أبا وأمان ( الأم الأصلية والام التي ساهمت بجزء ضئيل من الجينات الموجودة في الميتوكوندريا ) وقد أقر البرلمان البريطاني هذا الأجراء لانقاذ الطفل . وهو موضوع لم يبحث بعد لدى المجامع الفقهية الاسلامية .

     وهناك مئات القرارات الفقهية حول الأمراض الجينية والخلايا الجذعية وزرع الأعضاء بما فيها الأعضاء التناسلية وعمليات الجراحة التجميلية Cosmetic Surgery وعمليات تغيير الجنس ، وموضوع منع الحمل والإجهاض وموضوع موت الدماغ وحالات الانعاش الرئوي القلبي DNR ومتى يتوقف العلاج الى غير ذلك من القضايا التي سيساهم مؤتمرنا هذا في القاء الضوء الكاشف على ما جدّ منها . في العصر الحديث ، مع تقدم العلاجات الطبية ، نواجه مواقف جديدة غير موصوفة بالتفصيل في القرآن. في كثير من الأحيان تقع هذه في منطقة رمادية ، وليس من البسيط أن تقرر ما هو صواب أو خطأ. ننتقل بعد ذلك إلى تفسير علماء الإسلام ، الذين هم على دراية جيدة بالقرآن والسنة. إذا توصل العلماء إلى إجماع حول قضية ما ، فهذا مؤشر قوي على أنه موقف صحيح. بعض الأمثلة على الفتاوى العلمية في موضوع الأخلاقيات الطبية تشمل:

التبرع بالأعضاء مسموح به طالما لا يوجد حافز مالي ، ولا يوجد أي ضرر دائم للجهة المانحة.

يحظر القتل الرحيم والانتحار بمساعدة الطبيب.

يجب أن يستمر دعم الحياة الميكانيكية حتى يتم تأكيد موت الدماغ أو الموت الوشيك من قبل طبيب أو فريق من الأطباء ، وفي هذه الحالة يمكن سحبها.

وحرصا من الإسلام على سلامة النفس البشرية من المشعوذين والدجالين الذين يتاجرون بصحة الناس وحياتهم، فإن الإسلام يحمّل المسؤولية لمن يمارس التطبيب دون أن يكون عالما بالطب، وفي هذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن ) أخرجه أبو داود في كتاب الديات برقم 4576، ويحمل الإسلام المسؤولية للطبيب إذا أخطأ أو أهمل أو قصّر في واجباته .

والإسلام يوجب على الطبيب معالجة المريض إلى آخر لحظة من حياته حتى في الأمراض التي لا يرجى شفاؤها (مثل السرطان والإيدز ونحوه…) ويحرم الإسلام ما يسمى القتل الرحيم، أو القتل شفقةً (Euthanasia ) المعمول به في بعض البلدان بحجة تخليص المريض من المرض الميئوس من شفائه والإسلام يشدد في تحريم قتل المعاقين والمتخلفين عقلياً، ويمنع من استغلال وضعهم الصحي وتعريضهم للتجارب التي تنتهك آدميتهم وتعرض حياتهم للمخاطر، كما فعل النازيون مثلا في عهد هتلر في ألمانيا الذين قتلوا الآلاف من هؤلاء، وأخضعوا بعضهم للتجارب الخطيرة التي انتهت بمعظمهم إلى الموت !!

والإسلام يحرص على حماية المجتمع البشري من أخطار الأوبئة التي تهدد المجتمع البشري وتسبب معدلات وفاة عالية، وقد كان الإسلام سباقا لوضع نظام الحجر الصحي (Quarantine) من أجل حماية المجتمع البشري من أخطار الأوبئة، وفي هذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( إذا سمعتم بالطاعون بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها ) صحيح البخاري كتاب الطب 5396 ، والطاعون : هو كل مرض وبائي قابل للانتشار والسراية في المجتمع

وحرصا من الإسلام أيضا على سلامة المجتمع المحلي والجنس البشري من الأوبئة أوجب العلاج على المريض المصاب بمرض ساري لكي يمنع سرايته إلى الآخرين، كالأمراض المحجرية (الكوليرا، الحمى الراجعة، الطاعون، الجمرة الخبيثة، الحمى الصفراء ..) وغيرها من الأمراض السارية التي تشكل خطورة على المجتمع وتسبب نسبة عالية من الوفاة !!

والإسلام يحترم آدمية الإنسان حتى وإن كان معاقا أو متخلفا عقليا (ذوي الحاجات الخاصة) ويحرم الإسلام الإساءة إليهم، ويحرم قتلهم ويحرم استغلالهم في التجارب، ويحرم إهمالهم المفضي الى الوفاة، كما حصل مثلاً خلال العهد النازي في ألمانيا، كما ذكرنا آنفا حيث قتل الآلاف من هؤلاء بدوافع عنصرية أو غير إنسانية يأباها الإسلام ويشدد في تحريمها ويجرم فاعليها !!! وحرصا من الإسلام على النفس البشرية نجده يحرم في الطب استخدام الوسائل غير العلمية التي تهدد حياة الإنسان أو تسيء إلى عقله أو إلى حالته النفسية كالسحر والخرافات والعلاجات غير المبرهن علمياً على فائدتها وسلامة استخدامها .

الإسلام يشدد في حماية علاقات القربى والنسب :

ومن أجل هذا وضع الإسلام جملة من الأحكام المشددة حول العلاقات الجنسية، ومنها أحكام الزواج والرضاعة، حرصاً منه للحد من انتشار الأمراض الجنسية والوراثية، ولهذا حرم كل أشكال العلاقات الجنسية خارج إطار الزوجية، كالزنا والاغتصاب، وحرم الممارسات الجنسية الشاذة، مثل (اللواط والسحاق ونحوه)

وحرصا من الإسلام على سلامة النسل حرم في الإنجاب مشاركة أي طرف ثالث إلى جانب الزوجين، فحرم ما يعرف طبيا بالرحم المستأجرة ( surrogacy ) حيث تزرع بيضة الزوجين الملقحة في رحم امرأة غير الزوجة، ويحرم الإسلام كذلك التلقيح الاصطناعي ) IVF ) الذي يتدخل فيه طرف ثالث على العلاقة الزوجية، مثل تلقيح بيضة الزوجة بحيوانات منوية مأخوذة من غير الزوج، ويحرم الإسلام أيضا زراعة المورثات ) Genetic Transplantation) وزراعة أي عنصر حيوي يحتوي مادة وراثية مثل الميتوكونديريا mitochondria)) المأخوذة من طرف ثالث غير الزوجين، لما تنطوي عليه هذه الإجراءات من أخطار وراثية غير قابلة للتراجع عنها (Irreversible) وهي أخطار لا تتوقف عند الطفل الذي يصاب بها وإنما تتعداه إلى الأجيال التالية !!

وبما أن للرضاعة تأثيرات وراثية ومناعية يرثها الطفل الذي يرتضع من مرضعة أخرى غير أمه، فقد قرر الإسلام أحكاماً خاصة بالرضاعة، وجعلها بمقام النسب من القربى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) متفق عليه، وحرصا من الإسلام على سلامة الأطفال وتجنب اختلاط الأنساب فقد حرم بنوك الحليب المعمول بها في بعض البلدان غير الإسلامية، حيث تقوم مؤسسات خاصة بتجميع الحليب من أمهات متبرعات، ويوضع في قوارير تحفظ في الثلاجات لاستخدامه في إرضاع الأطفال دون مراعاة علاقات القربى والنسب !!

والإسلام يحرم كذلك بنوك المني وبنوك البيوض البشرية التي تجمع من متبرعين ومتبرعات وتباع للآخرين، وقد حرم الإسلام هذه البنوك منعاً من اختلاط الأنساب حرصاً منه على سلامة الجنس البشري والحد من انتشار الأمراض الوراثية، وللسبب نفسه نجد أن الإسلام الذي أباح زراعة الأعضاء يستثني من الإباحة زراعة الأعضاء التي لها علاقة قوية بالوراثة ( المبيض، والخصية ) فحرم زراعة هذه الأعضاء .

تحريم الخلوة والاختلاط وكشف العورة :

يشدد الإسلام في تحريم هذه الأمور على العكس من الممارسات التي يتساهل بها غير المسلمين مما أدى في تلك المجتمعات إلى انتشار الفواحش كالتحرش الجنسي والاغتصاب والزنا والخيانات الزوجية !!! تحريم العلاج بالمحرمات :

كالخمر الذي تدعي بعض البحوث أنه ينفع في علاج بعض الأمراض، فقد حرم الإسلام استخدام الخمر وغيره من المحرمات سواء في العلاج أو الوقاية لما تنطوي عليه المحرمات من أضرار عديدة كانت هي العلة في تحريم الإسلام لها، ونلاحظ أن تحريم الإسلام لاستخدام المحرمات يستهدف غاية أخرى بعيدة المدى، ففي منع الإسلام استخدام المحرمات في العلاج يشجع الباحثين على ابتكار بدائل علاج أخرى مباحة أكثر أماناً، مما يساهم في تطوير وسائل العلاج.

By ibra

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.